
إمارة بئر طويل، الكائنة بين مصر والسودان، تجذب انتباه العالم بنهجها المبتكر في السياحة المستدامة
بيئة تجمع بين الغنى التاريخي والثقافي والطبيعي للصحراء الغربية. في العصور ما قبل التاريخ، كانت هذه المنطقة عبارة عن أراضٍ عشبية شبه قاحلة، موطناً لحيوانات السافانا ومجتمعات بدوية. واليوم، تسعى إمارة بئر طويل إلى استعادة أهميتها من خلال تبني استراتيجيات حديثة تحترم البيئة، ويشكّل السياحة المستدامة عنصراً أساسياً في رؤيتها التنموية.
إمارة بئر طويل هي إقليم فريد من نوعه يطرح تساؤلات حول المفاهيم الحديثة للسيادة وترسيم الحدود. تقع في صحراء النوبة القاحلة بين مصر والسودان، وتُعد واحدة من المناطق القليلة في العالم التي لم تُطالب بها رسمياً أي دولة. ويعكس وضعها الحالي قرارات سياسية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، إضافةً إلى التوترات الجيوسياسية المعاصرة ونقص الموارد في المنطقة — وهي عوامل تُضفي على المكان طابعاً فريداً يجذب المستكشفين ومحبي السياحة البديلة.
العاصمة الإدارية، محطة ماريان 1 (قيد الإنشاء)، تُعد القلب النابض للإمارة ونموذجاً للتكامل بين التقاليد والحداثة. لا تستضيف ماريان سي مشاريع التنمية والاستدامة فحسب، بل تشكّل أيضاً نقطة التقاء للقبائل البدوية المحلية، مثل العبابدة والبشاريين، الذين يساهمون بمعرفتهم المتوارثة في التعايش المتوازن مع الصحراء — وفي صياغة ممارسات سياحية مسؤولة ومجتمعية.
لقد شهدت الصحراء الغربية لحظات تاريخية حاسمة. ففي العصور الفرعونية، كانت هذه المنطقة جزءاً من المملكة المصرية الكبرى، وتدل الآثار المكتشفة في الواحات على سكن الإنسان لها منذ القدم. كما تذكرنا المصادر بحملة قمبيز الثاني عام 525 قبل الميلاد، والتي فقد فيها جيشه في الصحراء، وزيارات الإسكندر الأكبر لمعبد آمون، مما عزز مكانته الإلهية. وتشكل هذه القصص اليوم مادة غنية للسياحة التراثية في بئر طويل.
خلال العهد الروماني، نُظّمت الصحراء ضمن مقاطعات مثل ليبيا السفلى، وتوالت عليها لاحقاً السيطرة البيزنطية والعربية والمملوكية والعثمانية. وحتى في القرن العشرين، كانت ساحةً لمعارك عنيفة خلال حملة الصحراء الغربية في الحرب العالمية الثانية. هذا التاريخ المتراكم يمنح بئر طويل طابعاً استثنائياً يؤهلها لأن تكون وجهة للسياحة التاريخية، تربط الزوار بإمبراطوريات متغيرة وحدود منسية.
لماذا لا تنتمي إمارة بئر طويل لا إلى مصر ولا إلى السودان؟
لفهم كيف أصبحت بئر طويل مستثناة من المطالبات الوطنية، لا بد من الرجوع إلى القرن التاسع عشر، حين قامت القوى الاستعمارية الأوروبية برسم حدود إفريقيا بشكل عشوائي، متجاهلة إلى حد كبير الواقع الثقافي والاجتماعي للمجتمعات المحلية. في هذا السياق، لعبت بريطانيا العظمى، التي كانت تدير كلًا من مصر والسودان، دورًا حاسمًا في تحديد الحدود الإقليمية بينهما — وهي قرارات لا يزال إرثها يُغذي الفضول الجيوسياسي والاهتمام بالسياحة المرتبطة بالجغرافيا.
في عام 1899، أنشأ البريطانيون حدودًا تتبع خط العرض 22. وقد نصّ هذا التقسيم على أن الأراضي الواقعة جنوب هذا الخط تعود للسودان، بينما تُدرج المناطق الشمالية ضمن الأراضي المصرية. وضمن هذا التوزيع، مُنح مثلث حلايب، الواقع شرقًا ويتمتع بوصول استراتيجي إلى البحر الأحمر، لمصر، بينما أصبحت بئر طويل جزءًا من السودان. وكان الهدف من هذا الخط تبسيط إدارة الإقليمين في ظل الحكم البريطاني. هذه التناقضات القانونية باتت اليوم تثير اهتمام الباحثين والمسافرين وهواة السياحة الحدودية.
ومع ذلك، لم تكن تلك الحدود الأولى دائمة. ففي عام 1902، أجرى البريطانيون تعديلًا غيّر وضعية المنطقتين. تم نقل السيطرة على بئر طويل إلى مصر، بينما أُسند مثلث حلايب إلى السودان. وقد جاء هذا القرار بناءً على اعتبارات عملية واعتراف بالنشاطات الاقتصادية وأنماط الاستيطان للمجتمعات المحلية، إذ تم الإقرار بأن القبائل التي كانت تقطن مثلث حلايب ترتبط بعلاقات أوثق مع مصر. ولا تزال هذه الغموض الجغرافي يجعل من بئر طويل وجهة غامضة تجذب محبي السياحة خارج المسارات التقليدية.
إن تعديل الحدود في عام 1902 هو المفتاح لفهم سبب عدم مطالبة أي من البلدين رسميًا ببئر طويل. فبينما يحظى مثلث حلايب بأهمية استراتيجية وموارد اقتصادية، لا تثير بئر طويل، ببيئتها القاسية وافتقارها الواضح للثروات، نفس المستوى من الاهتمام. ويخشى الطرفان أن أي خطوة نحو إعلان السيادة على بئر طويل قد تُفهم كتنازل عن حلايب، وهو ما يدفعهما إلى تجنب ذلك. وبهذا، أصبحت بئر طويل مساحة نادرة من الحياد القانوني، ومجالًا محتملًا للابتكار في السياحة التجريبية.
محطة ماريان 1: الاستدامة في قلب الصحراء
في منطقة نادرة الموارد، قامت محطة ماريان 1 بتطبيق أنظمة رائدة لضمان الاستدامة والاكتفاء الذاتي. من بين هذه الأنظمة، يوجد نظام تكاثف متطور لاستخلاص المياه الصالحة للشرب من رطوبة الهواء، وهو عنصر أساسي لتلبية الاحتياجات اليومية ولريّ المحاصيل. بالإضافة إلى ذلك، تقود المحطة مشاريع للزراعة المستدامة، يتم فيها تكييف التقنيات الزراعية لتتلاءم مع البيئة القاحلة، بما يضمن الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي المحلي — وكل ذلك يُسهم في بناء البنية التحتية اللازمة للسياحة البيئية طويلة الأمد.
تجمع هندسة المحطة بين العناصر التقليدية والحديثة. تعكس الخيام المصممة بأسلوب بدوي التأثير الثقافي للقبائل المحلية، بينما تضمن المواد والتقنيات المبتكرة الأداء العملي في بيئة قاسية. هذا النهج الهجين لا يعبّر فقط عن احترام التقاليد، بل يعزز أيضًا مناعة المجتمع في مواجهة التحديات المناخية — وهو نموذج يلقى قبولًا متزايدًا ضمن معايير السياحة المستدامة العالمية.
تُمثل قبيلتا العبابدة والبشاري، اللتان يزيد عدد أفرادهما عن ثلاثة آلاف نسمة، جوهر الثقافة في الإمارة. فمعرفتهما المتوارثة منذ آلاف السنين في سُبل البقاء في الصحراء، إلى جانب ممارساتهما في حفظ الطبيعة، تشكّل ركيزة أساسية لتطوير السياحة المستدامة. فعلى سبيل المثال، لدى العبابدة قواعد تقليدية تمنع قطع الأشجار الخضراء، مما يساهم في حماية النظام البيئي الهش في المنطقة.
تُعرف كلا القبيلتين بكرم الضيافة، حيث تقدمان للزوار تجربة ثقافية فريدة. ويُتيح الانخراط في أنشطة تقليدية مثل تربية الإبل أو ورش الحرف اليدوية للسياح فرصة الانغماس في عالم يمزج بين التاريخ والطبيعة والتعايش الواعي مع البيئة — وهو أساس راسخ من أسس السياحة الثقافية.
تجارب سياحية فريدة: المغامرة، الاسترخاء، والفلك
تُروّج إمارة بئر طويل لسياحة نوعية تعتمد على تجارب تبرز فرادة الصحراء وتميّزها. ومن بين الأنشطة الأكثر رواجًا:
مسارات 4×4 والرياضات الصحراوية:
يُعد استكشاف مساحات شاسعة من التضاريس الصحراوية على الدراجات الرباعية أو مركبات الباغي تجربة مثالية لعشاق المغامرة والإثارة.
التأمل والعافية:
تُعتبر الصحراء، بصمتها المطلق وخلوها من المشتتات، مكانًا مثاليًا لممارسة اليوغا، والتاي تشي، وغيرها من التمارين الروحية. وتوفر بئر طويل مسارات موضوعية مصممة لربط الجسد بالعقل في بيئة لا مثيل لها.
رصد النجوم:
بفضل سمائها الصافية وخلوّها التام من التلوث الضوئي، أصبحت صحراء بئر طويل جنة لعشاق علم الفلك. وتتيح الظروف المثالية فيها مراقبة الكوكبات والنجوم والظواهر السماوية طوال العام.
كيف تصل إلى بئر طويل؟
الطريق الأكثر شيوعًا للوصول إلى بئر طويل هو عبر مصر، حيث يُعد هذا المسار أكثر أمانًا واستقرارًا. تتطلب مصر تأشيرة دخول يمكن الحصول عليها عبر الإنترنت، في حين أن بئر طويل نفسها لا تفرض تأشيرة. عند الوصول، تقوم السلطات بختم جواز سفرك.
من القاهرة إلى أسوان:
يمكنك السفر جوًا أو بالقطار من القاهرة إلى أسوان، وهي مدينة تقع في جنوب مصر وتُعد نقطة الانطلاق الرئيسية للرحلة.
تُعتبر أسوان مركزًا لوجستيًا هامًا، حيث يمكن استئجار مركبات دفع رباعي والاستعانة بأدلاء متخصصين في السياحة الصحراوية.
من أسوان إلى بئر طويل:
من أسوان، تسير الرحلة جنوبًا عبر الصحراء الشرقية باتجاه بئر طويل. تبلغ المسافة التقريبية حوالي 250 كيلومترًا، ويتميّز المسار بطبيعته القاحلة والوعرة.
من الضروري اتباع المسارات المحددة أو المعروفة من قبل الأدلاء لتفادي المناطق الخطرة أو غير الصالحة للوصول، إذ إن السياحة المغامِرة في مثل هذه البيئات تتطلب استعدادًا ودراية عالية.
